الزركشي

572

البحر المحيط في أصول الفقه

في فتاويه إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم تجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله وقد قال لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقا وإلا فلا لا لكونه لا يقلد بل لأن مذهبه لم يثبت حق الثبوت . وقال ابن برهان تقليد الصحابة ينبني على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه قال مذاهب الصحابة لم تكثر فروعها حتى يمكن المكلف الاكتفاء بها فيؤديه ذلك إلى الانتقال وهو ممنوع ومذاهب المتأخرين ضبطت فيكفي المذهب الواحد المكلف طول عمره فيكمل هذا الحكم وهو منع تقليد الصحابة وقال إلكيا بعد أن قرر منع الانتقال الواحد منا لا يأخذ بمذهب الصحابة إذا كان مقلدا بل يأخذ بمذهب الشافعي أو غيره من أرباب المذاهب من حيث إن الأصول التي وضعها أبو بكر لا تفي بمجامع المسائل وأما الأصول التي وضعها الشافعي وأبو حنيفة فهي وافية بها فلو قلنا بتقليد الصديق في حكم لزم أن يرجع إليه في حكم آخر وقد لا يجده . مسألة القائلون بالتقليد أوجبوا التقليد في هذه الأعصار ومستندهم فيه أنهم استوعبوا الأساليب الشرعية فلم يبق لمن بعدهم أسلوب متماسك على السبر ولهذا لما أحدثت الظاهرية والجدلية بعدهم خلاف أساليبهم قطع كل محقق أنها بدع ومخارق لا حقائق . لكن الجدلية يعترفون بأن الشريعة لا تثبت بتلك الأساليب الجدلية وإنما عمدتهم في استحداثها تمرين الأذهان وتفتيح الأفكار وأما كونهم يعتقدون أنها مستندات وحجج عند الله يلقى بها فلا . وأما الظاهرية فلما أحدثوا قواعد تخالف قواعد الأولين أفضت به إلى المناقضة لمجلس الشريعة ولما اجترءوا على دعوى أنهم على الحق وأن غيرهم على الباطل أخرجوا من أهل الحل والعقد ولم يعدهم المحققون من أحزاب الفقهاء وسبق في باب الإجماع الكلام على أنه هل يعتد بخلافهم ؟ . وهذا كله يوضح أن الضرورة دعت المتأخرين إلى اتباع المتقدمين لأنهم سبقوهم بالبرهان حتى لم يبقوا لهم باقية يستبدون بها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولكن الفضل للمتقدم وظهر بهذا تعذر إثبات مذهب مستقل بقواعد . * * *